الحلبي
189
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لي ذنبا فلا عليك أن تتخلف عني حتى آتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ففعل ، فلما دنا أبو خيثمة قال الناس : هذا ركب مقبل . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : كن أبا خيثمة . فقالوا : يا رسول اللّه هو واللّه أبو خيثمة ، فلما أناخ أقبل يسلم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أولى لك يا أبا خيثمة ، ثم أخبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الخبر ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خيرا ، ودعا له بخير : أي وأولى لك كلمة تهديد وتوعد . ولما مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالحجر ديار ثمود سجى ثوبه على رأسه واستحث راحلته ، وقال : « لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلا وأنتم باكون خوفا أن يصيبكم ما أصابهم » ، أي لأن البكاء يتبعه التفكر والاعتبار ، فكأنه صلى اللّه عليه وسلم أمرهم بالتفكر في أحوال توجب البكاء من تقدير اللّه عز وجل على أولئك بالكفر ، مع تمكينه لهم في الأرض ، وإمهالهم مدة طويلة ، ثم إيقاع نقمته بهم وشدة عذابه ، وهو سبحانه يقلب القلوب ، فلا يأمن المؤمن أن تكون عاقبته إلى مثل ذلك « ونهى صلى اللّه عليه وسلم الناس أن يشربوا من مائها شيئا ، وأن لا يتوضئوا به للصلاة ، وأن لا يعجن به عجين وأن لا يحاس به حيس ، ولا يطبخ به طعام ، وأن العجين الذي عجن به أو الحيس الذي فعل به يعلفونه الإبل ، وأن الطبيخ الذي طبخ به يلقى ولا يأكلوا منه شيئا » . ثم ارتحل بالناس : أي لا زال سائرا حتى نزل على البئر التي كانت تشرب منها الناقة ، وأخبرهم صلى اللّه عليه وسلم أنها تهب عليهم الليلة ريح شديدة ، أي وقال : من كان له بعير فليشد عقاله ، ونهى الناس في تلك الليلة عن أن يخرج واحد منهم وحده بل معه صاحبه ، فخرج شخص وحده لحاجته فخنق ، وخرج آخر كذلك في طلب بعير له ندّ فاحتمله الريح حتى ألقته بجبل طيء ، فأخبر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : ألم أنهكم أن يخرج أحد منكم إلا ومعه صاحبه ، ثم دعا للذي خنق فشفي ، والذي ألقته الريح بجبل طيء له صلى اللّه عليه وسلم حين قدم المدينة . وفي سيرة الحافظ الدمياطي : وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يستخلف على عسكره أبا بكر الصديق رضي اللّه عنه يصلي بالناس . واستعمل على العسكر عباد بن بشر ، فكان يطوف في أصحابه على العسكر . ثم أصبح الناس ولا ماء معهم : أي وحصل لهم من العطش ما كاد يقطع رقابهم ، حتى حملهم ذلك على نحر إبلهم ليشقوا أكراشها ويشربوا ماءها . فعن عمر رضي اللّه عنه : خرجنا في حرّ شديد ، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش ، حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده . وفي لفظ : على صدره ، فشكوا ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، أي قال له أبو بكر : يا رسول اللّه قد عوّدك اللّه من الدعاء خيرا فادع اللّه لنا ، قال أتحب ذلك ؟ قال نعم ، فدعا ، أي ورفع يديه فلم يرجعهما حتى أرسل اللّه سحابة فمطرت حتى ارتوى الناس واحتملوا ما يحتاجون